الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
373
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
صوتا للحديد الذي فيه واضطربت قناديل الحرم الشريف * وزاد القاشاني ثم في اليوم الثالث وهو يوم الجمعة تزلزلت الأرض زلزلة عظيمة إلى أن اضطرب منها المسجد وسمع لسقف المسجد صرير عظيم * قال القطب فلما كان يوم الجمعة نصف النهار ظهرت تلك النار فثار من محل ظهورها في الجوّ دخان متراكم غشى الأفق سواده فلما تراكمت الظلمات وأقبل الليل سطع شعاع النار وظهرت مثل المدينة العظيمة في جهة المشرق * قال القاضي سنان وطلعت إلى الأمير وكان عز الدين منيف بن شيخه وقلت له قد أحاط بنا العذاب ارجع إلى اللّه فأعتق كل مماليكه وردّ على الناس مظالمهم زاد القاشاني وأبطل المكس ثم هبط الأمير إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وبات في المسجد ليلة الجمعة وليلة السبت ومعه جميع أهل المدينة حتى النساء والصغار ولم يبق أحد في النخل الا جاء إلى الحرم الشريف وبات الناس يتضرّعون ويبكون وأحاطوا بالحجرة الشريفة كاشفين رؤوسهم مقرّين بذنوبهم مبتهلين مستجيرين بنبيهم * قال القطب فصرف اللّه عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال ونجوا من الاوجال فسارت تلك النار من مخرجها وسال بحر عظيم من النار وأخذت في وادى أخيليين وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم كأنها عندهم ومالت عن مخرجها إلى جهة الشمال واستمرّت مدّة ثلاثة أشهر على ما ذكره المؤرّخون قال وهي تسكن مرّة وتظهر أخرى * وذكر القسطلاني عمن يثق به انّ أمير المدينة أرسل عدّة من الفرسان إلى هذه النار للاتيان بخبرها فلم تجسر الخيل على القرب منها فترجل أصحابها وقربوا منها فذكروا انها ترمى بشرر كالقصر ولم يظفروا بجلية أمرها فجرّد عزمه للإحاطة بخبرها فذكروا انه وصل منها إلى قدر غلوتين بالحجر ولم يستطع أن يجاوز موقفه من حرارة الأرض وأحجار كالمسامير تحتها نار سارية ومقابله ما يتصاعد من اللهب فعاين نارا كالجبال الراسيات والتلال المجتمعة السائرات تقذف بزبد الأحجار كالبحار المتلاطمة الأمواج وعقد لهيبها في الأفق قتاما حتى ظنّ الظانّ انّ الشمس والقمر كسفا إذ سلبا بهجة الاشراق في الآفاق ولولا كفاية اللّه كفتها لأكلت ما تقدم عليه من الحيوان والنبات والحجر * وذكر الجمال المطرزي بعض ما يخالف هذا فإنه قال اخبرني علم الدين سنجر العزى من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيخه صاحب المدينة قال ارسلني مولاي الأمير عز الدين بعد ظهور النار بأيام ومعي شخص من العرب وقال لنا ونحن فارسان اقربا من هذه النار وانظر أهل يقدر أحد على القرب منها فانّ الناس يهابونها لعظمتها فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها ولم نجد لها حرّا فنزلت عن فرسى وسرت إلى أن وصلت إليها وهي تأكل الصخر والحجر فأخذت سهما من كنانتي ومددت به يدي إلى أن وصل النصل إليها فلم أجد لذلك ألما ولا حرّا فغرق النصل ولم يحترق العود فأدرت السهم وأدخلت فيها الريش فاحترق الريش ولم تؤثر في العود وذكر المطرزي قبل ذلك انها كانت تأكل كلما مرّت عليه من جبل وحجر ولا تأكل الشجر قال وظهر لي في ذلك أنه لتحريم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم شجر المدينة فمنعت من أكل شجرها لوجوب طاعته عليه السلام على كل مخلوق * وذكر القسطلاني انّ هذه النار لم تزل مارّة على سبيلها حتى اتصلت بالحرّة ووادى الشظاة وهي تسحق ما والاها وتذيب ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصا من قوّة اللظى وانّ طرفها الشرقي أخذ بين الجبال فحالت دونه ثم وقفت وانّ طرفها الشامي وهو الذي يلي الحرم اتصل بجبل يقال له وعر على قرب من شرقي جبل أحد ومضت في الشظاة الذي في طرفه وادى حمزة ثم استمرّت حتى استقرّت تجاه حرم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأطفئت * قال المطرزي وأخبرني بعض من أدركها من النساء انهنّ كنّ يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة الشريفة * قال القسطلاني انّ ضوأها استولى على ما بطن من القيعان وظهر من التلاع حتى كانّ الحرم النبوي عليه